الشيخ محمد رشيد رضا

95

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كل ما يعلمة الآب . وقوله عليه السّلام في القيامة موافق لقول اللّه سبحانه في القرآن خطابا لخاتم رسله ( ص ) ( قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ) ولو كان هؤلاء النصارى يقبلون نصوص إنجيل برنابا لأتيناهم بشواهد منه على التوحيد مؤيدة بالبراهين العقلية والنقلية على أن المسيح بشر رسول قد خلت من قبله الرسل وليس بدعا فيهم ، وناهيك بالفصل الرابع والستين منه الذي يحتج به المسيح بما آتى اللّه الأنبياء من الآيات على أن الآيات لا تنافي البشرية والعبودية للّه تعالى ، وبالفصل الخامس والتسعين الذي يحتج فيه بأقوال الأنبياء في التوحيد وأنه تعالى خلق كل شيء بكلمته وأنه يرى ولا يرى ، وأنه غير متجسد وغير مركب وغير متغير ، وانه لا يأكل ولا يشرب ولا ينام . ثم قال ( 19 فاني بشر منظور وكتلة من طين تمشي على الأرض وفان كسائر البشر 20 وانه كان لي بداية وسيكون لي نهاية ، واني لا أقتدر أن أبتدع خلق ذبابة ) وحسبنا ما كتبناه هنا في مسألة التثليث الآن ، وسنبقي بقية مباحثها إلى تفسير سورة المائدة * * * لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ الاستنكاف الامتناع عن الشيء أنفة وانقباضا منه . قيل أصله من نكف الدمع إذا نحاه عن خده بإصبعه حتى لا يظهر ، ونكف منه أنف . وانكفه عنه برأه . والمعنى لن يأنف المسيح ولا يتبرأ من أن يكون عبدا للّه ولا هو بالذي يترفع عن ذلك لأنه من أعلم خلق اللّه بعظمة اللّه وما يجب له على العقلاء من خلقه من العبودية والشكر ، وأن هذه العبودية هي أفضل ما يتفاضلون به وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ يستنكفون عن أن يكونوا عبيدا للّه أو عن عبادته ، أو لا يستنكف أحد منهم أن يكون عبدا للّه . ( كل تقدير من هذه التقديرات صحيح يفهم من الكلام ) على أنهم أعظم من المسيح خلقا وأفعالا ، ومنهم روح القدس جبريل عليه السّلام الذي بنفخة منه خلق المسيح وبتأييد اللّه إياه به كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى باذن اللّه ، ولولا نفخته وتأييده لما كان للمسيح مزية على غيره من الناس . وقد استدل بهذه الآية على أن الملائكة المقربين أفضل من الأنبياء المرسلين ، وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني والحليمي من أئمة الأشعرية وجمهور المعتزلة ، وأما